شلبكيات

عابر سبيل – العدد الجديد من ساخر سبيل رقم 151

عابر سبيل في هذا العددهو الأستاذ محمد زكي والعبور بعنوان الفيل القابع في الغرفة

عابر سبيل في العدد 151 هو الأستاذ محمد زكي والعبور بعنوان الفيل القابع في الغرفة The
Elephant in the Room

****

بقلم: محمد زكي . ميسيساغا- اونتاريو .
“الفيل القابع في الغرفة”- مثل إنجليزي أراه يعبر عن سلوكنا نحن العرب في ظروف عدة في بلادنا الأصلية، بل يظهر أكثر في المهجر، حيث جلبنا معنا كثيراً من مخازي مجتمعاتنا، ثم أضفنا إليها طيفاً مما تزخر به الحضارة الغربية من مساوئ في شقيها اللاأخلاقي والمادي.
فكرة ذلك المثل تحاول تجسيد موضوع الانتقائية والتي يستخدمها المجتمع عندما يواجه مشكلة تستدعي التفريط في قيمة أخلاقية أو مبدأ اجتماعي، وكيف يتم في هذا السياق التضامن بين أفراده، دون اتفاق أو حديث وبطريقة آلية، لتجاهل خرق تلك القيم والمبادئ والمشاكل المترتبة على هذا الخرق عندما يكون التصدي له مكلفاً للجميع أو للبعض سواءً كان ذلك قليلاً أو كثيراً ولا يصب في المصلحة المباشرة لهم.
من أمثلة ذلك: التغاضي عن أفعال الفاسدين أخلاقيًا لأنهم نجوم في هذا المجتمع مما يجعل “الفيل” ليس فقط مقبولًا وغير مرئي، بل رمزًا يُحتفى به. ذلك الفيل الذي يُثقل الهواء وربما يستنفذه، فيخنقنا جميعاً بحقيقته السافرة، لا يُكتفى بتجاهله فقط، بل يُزيَّن بالأضواء، ويُصفق له ويزف، كأنه بطل الرواية ولب الحديث. هنا يتم ترقية الفساد من عارٍ ينبغي إخفاؤه وإنكاره إلى مجد زائف يحتفى به على حساب القيم المتآكلة.
الفاسد هنا لا يصعد وحده، بل هو يُحمل على أكتاف مجتمع يختار أن يرى نجاحه الظاهري ويتجاهل وطأة جريمته الأخلاقية. هو شخص يُتقن ارتداء الأقنعة، يظهر بمظهر البطل، يمسح عن وجهه كل بقعة بمالٍ أو سلطة أو بعذب الحديث، بينما الأفواه السفيهة والمشتركة في الفساد تُشعل الأضواء حوله، تصنع منه “قدوة” مزيفة. الفيل في الغرفة هنا لا يختبئ، بل يجلس على العرش، يحكم صمت الكثيرين وتواطؤ الآخرين.
عندما يُرفع الفاسد إلى مقام النجوم، تُوجَّه إلى المجتمع رسالة قاتلة: النجاح لا يحتاج إلى نزاهة، بل إلى نفوذ أو خداع وربما رذيلة. يصبح “الفيل” رمزًا للصعود على أكتاف القيم المهملة، ويتحول النجاح الأخلاقي إلى أمر عبثي في عيون الأجيال الجديدة.
كلما صفقنا للفاسد، أو حتى رضينا بوجوده بيننا، انهارت لبنة أخرى في جدار الأخلاق. يصبح الغش ذكاءً، والفساد مهارة، والتواطؤ حنكة والخيانة حكمة. وهكذا، يصير الفيل جزءًا من المشهد، وجوده طبيعي، بل ضروري، لضمان استمرار هذا العرض المأساوي.
ولكن خلف بريق الفاسدين، هناك وجوه لا تُرى، ضحايا يدفعون ثمن هذا الصمت والنفاق الاجتماعي. فمن يسير على طريق الحق يجد نفسه مقصياً، ومن يرفض الانحناء لهذا الفيل العملاق يُداس تحت أقدامه. المجتمع بأسره يصبح ضحية، مقيدًا بسلاسل من الكذب، والصمت، والخوف، والتواطؤ.
الفيل الذي نجلس تحت ظله اليوم لن يتوقف عن النمو. إنه يتغذى على تجاهلنا، يكبر مع كل صفقة نغمض الطرف عنها، مع كل تصفيق نمنحه لنجوم مزيفين. وفي يومٍ قريب، سيملأ الغرفة بالكامل، ليخنق الحاضر والمستقبل معًا.
إن تحرير المجتمع من تلك الأفيال المتربعة على عروشها يتطلب ثورة أخلاقية تبدأ بالاعتراف بوجودهم. علينا أن نزيل الأقنعة عن وجوه الفاسدين، أن نكشف زيف “النجوم” الذين يتسلقون على أكتاف الشرفاء والضعفاء، وأن نعيد للصدق مكانته المهدورة.
الشهرة لا تصنع الشرف والأخلاق والقيم، ولا تُعفي صاحبها من المحاسبة، والقوة والشعبية لا تُبرر الفساد. إن الفيل في الغرفة ليس مجرد استعارة، إنه واقع حزين وثقيل، يزداد حجماً وثقلاً مع كل تجاهل ومع كل ابتسامة مصطنعة نمنحها لمن ينهبون القيم. مواجهته ليست خيارًا، بل ضرورة، لأن الحقيقة التي نخشاها اليوم هي الوحيدة القادرة على تحريرنا غدًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock