
من سلسلة شباك أبو شلبك
العنوان : تكسير روؤس وتسكير روؤس…
المناسبة :الإعتداء على رموز فكرية.
الزمان: في ربيع عربي لم يعمر طويلا.
المكان: معرة النعمان والمنيا والمنصورة ومالي والصومال وأفغانستان كمان.
عمل أبو شلبك : مصوّر.
***
كتب: محمد هارون
الراوي: في تجمع غير مخطط له، تنادى خيرة العلماء العرب وثلة من المفكرين والفلاسفة الأحياء منهم والأموات إلى لقاء تمت الدعوة له من قبل مريدي الفيلسوف الشاعر أبو العلاء المعري، وقد تجمعوا من المعرة حتى رام الله مروراً بمصر هذه المرة، للإحتجاج على تكسير رأس معلمهم فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة أبو العلاء المعري والإساءة لتماثيل وأثار ورموز أخرى .
وللتذكير اعتاد هؤلاء المجتمعون الإحتجاج والتظاهر ضد غزو أجنبي أو تعسف محلي ولكنهم اليوم وقد بلغ السيل الزبى يحتجّون على ممارسات متطرفة يقوم بها نفر غير محدد العدد ضد رموز فكرية وفنية عربية حية أو ميتة بحيث يُكسّرون التماثيل أو يطلقون النار عليها وهذه التماثيل بعيدة تماما عن هُبل.. إنها اعتداءات وهبل بهبل فقط . اثناء التجمع دخل ابو شلبك ومعه مجموعة من الصحفيين لتغطية الحفل وأخذ الصور واجراء التحقيقات اللازمة . لمح أبو شلبك الرأس الحجري المكسور لأبي العلاء والموجود في مكان مرتفع ليليق بالمعري فأخذ يلتقط الصور له ويتأمله بحزن وشفقة وبدأ يتلمس الوجه واقترب بعدسته إلى الشفتين المشقوقتين….
صوت جهوري : أيليق بصاحب سقط الزند ولزوم ما لا يلزم ما حدث لتمثاله ؟
من أين خرج هذا الصوت؟ بدا أبو شلبك مرتبكا وخاصة بعد ظهور قامة بيضاء طويلة مهيبة تتحدث معه.
القامة البيضاء : لم تجب يا أبا شلبك!!
أبو شلبك : ( مازال مرتبكا ) أنا يا سيدي من من أنا أنا … من المتحدث.. من هناك ؟؟؟
القامة البيضاء: ما بك ايها المصّور الهُمام الا تريد التحقق والكلام؟ ويحك يا رجل الم تعرف رهين المحبسين صاحب معرة النعمان؟
ابو شلبك : سيدي أحمد بن عبد الله التنوخي أبو العلاء المعري !!
المعري: يا علي … خذ بيدي واجلسني على مقعدي …واكرم ضيفنا المصّور أبو شلبك. ( يدخل مساعده علي ويساعد المعري بالجلوس على مقعده ويخرج …ثم يكمل المعري حديثه لأبي شلبك )
ما بالكم تطلقون النار على أنفسكم وتشتمون بعضكم بعضا، وتعودن لممارسة الطائفية البغيضة وتعبثون بكل ما هو مشّرف بتاريخكم وحضارتكم.؟
أبو شلبك : اعذرهم يا سيدي…اغفر لهم يا صاحب رسالة الغفران.
المعري : انا لست من يغفر الذنوب ..ان الله غفور رحيم …ولكن في المستقبل أخاف ان تهاجموا قبور الأهرامات وخزنة البتراء وأعمدة تدمر وهياكل جرش ومدرجات قرطاج وغيرها … وبهذا تتركون الأشداء من الأعداء وتقتلعون العبقرية بغباء.
(يدخل كاتبه وخادمه علي بن عبد الله ومعه الطعام ويصغي للحديث)
أبو شلبك: لا تقلق يا مولاي سنعيد تمثالك الى ما كان عليه وسنعيد الإحترام لكل الشخصيات المغبونة كرامتها .
المعري : لم تفهم ما اقصده يا أبا شلبك…ما أريده هو الحفاظ على كرامتكم وليس كرامتنا !! نحن ميتون، ومن صنع تمثالي يستطيع أن يصنع غيره، أما ضياع الأوطان وتكنيس الأبطال وتكسير روؤس الاطفال فيعادل كل التماثيل والآثار .
الكاتب علي : أيها الضيف واجبك من الطعام النباتي قد حضر …ولكن الذي لم يحضر على ما يبدو حتى الآن هو تقديرك لمقام من تحضر مجلسه. من قال لك بأن سيدي بحاجة إلى تمثال كي يتذكره الناس؟
إنه أعظم وأكثر حضورا وانتصارًا على الزمن من كل الأساطيين والمساطيل والسلاطين. فسقط الزند ولزوم ما لا يلزم ورسالة الغفران وعشرات المؤلفات الأخرى كلها لا تموت مع الزمن .
المعري: نعم لا شيء يهزم رمزية الموت إلا الأعمال الفنية الخالدة. كما قال شاعركم وجاري الجديد محمود درويش بعد إحساسه بالموت ‘هزمتك يا موت الفنون جميعها، هزمتك الأغاني في بلاد الرافدين، مسلة المصري، مقبرة الفراعنة، النقوش على حجارة معبد، هزمتْك وانتصرَت’.
ابو شلبك : ( ينكب على يدي المعري باكيا ) هاتِ يديك وجبينك أقبلهما …عذرا يا سيدي …ربنا لا تؤخذنا بما فعل السفهاء منا …لقد قال غيري وكتبت أنا الكثير …وتحدثت مراراً عن ضرورة سلوك دروب الحضارة والجمَال ولكن دروب الحقارة ومسالك الجِمال على ما يبدو أسهل … تعبت ياسيدي .. تعبت .
المعري: تعب كلها الحياة فما أعجب إلاّ من راغب في ازدياد.
أبو شلبك : أنا لا أرغب بازدياد يا أبا العلاء .. ما أرغب به فقط هو أن أعيد لك احترامك، انت وكل من أعتدي عليهم. وخاصة انت والدكتور طه حسين.
الكاتب علي : لأول مرة يكون العمى وفقدان البصر لصالح صاحبه حتى لا يرى من أساء له … اذهب الآن فقد ضاق صدر مولاي… إنه لم يتعرض ومنذ أكثر من الف سنة الى مثل هذه الإساءة. الم يعرف هؤلاء بان سيدي عاش شاعرا ومفكرا وفيلسوفا زاهدا وبسيطا ونباتيا ومنعزلا في بيته في معرة النعمان وقد…
المعري : يكفي أيها الكاتب…نحن لا نستجدي المجد والرفعة.. وببصيرتنا ندرك ما الذي يبتغيه شراذم القوم .
ابو شلبك : ولكني أطلب رد الصاع صاعين لمن أساء لكرامة الموتى … ولكني لا أعرف كيف ؟
المعري : إكرام الميت دفنه وانتهى… أما إكرام الأحياء هي مهمتكم… قل لكل من استل القلم ولمن حمل الريشة ومن رفع أدوات النحت ومن يقف خلف الكاميرات قل لكل المفكرين والمبدعين بان مهتهم طويلة فعهدكم للأسف أعاد أمتنا الى ما قبل التمدن ….اذهب قبل أن اشكر الله بأني أعمى البصر…. انتظر، قبل أن تنصرف، خذ معك قصعة تمر وقربة ماء وقوافل من الصبر والإنتماء، فالعودة للحضارة تحتاج الى الكثير من التعب والجسارة… رافقتك السلامة.
انتهت